القرطبي

8

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقد قال الله عز وجل : " فهي إلى الأذقان " فقد علم أنه يراد به الأيدي . " فهم مقمحون " أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق ، لأن من علت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه . روى عبد الله بن يحيى : أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح ، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه . قال النحاس ، وهذا أجل ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي . قال : يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها . قال النحاس : والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها . كما يقال : قهرته وكهرته . قال الأصمعي : يقال أكمحت الدابة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها . ومنه قول الشاعر : . . . والرأس مكمح ( 1 ) ويقال : أكمحتها وأكفحتها وكبحتها ، هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي . وقمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب ، فهو بعير قامح وقمح ، يقال : شرب فتقمح وانقمح بمعنى إذا رفع رأسه وترك الشرب ريا . وقد قامحت إبلك : إذا وردت ولم تشرب ، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو برد . وهي إبل مقامحة ، وبعير مقامح ، وناقة مقامح أيضا ، والجمع قماح على غير قياس ، قال بشر يصف سفينة : ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالإبل القماح والإقماح : رفع الرأس وغض البصر ، يقال : أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه . وشهرا قماح : أشد ما يكون من البرد ، وهما الكانونان سميا بذلك ، لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رؤوسها ، ومنه قمحت السويق . وقيل : هو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعكم من الهدى كامتناع المغلول ، قال يحيى بن سلام وأبو عبيدة . وكما يقال : فلان حمار ، أي لا يبصر الهدى . وكما قال : لهم عن الرشد أغلال وأقياد

--> ( 1 ) البيت لذي الرمة وتمامه : شتمور بضبعيها وترمى بجوزها * حذارا من الايعاد والرأس مكمح ( 2 ) قمح السويق ( بكسر الميم ) إذا استفه .